مـنــــــتــــدى أتــــريــــب

مرحبا بالزائرين ,والعابرين ,والأصدقاء, والأعضاء , بالطيبين والطيبات.. وبكل من يثرى , أو تثرى المنتدى بالحوار ,والمناقشة, والمساهمات المفيدة .. فليس للبخلاء بالمعرفة مكان هنا ..ساهم / ساهمى بكلمة طيبة , أو مقال , أو لوحة , أو قصيدة , أو فكرة , أو رأى , أو خبرة تدفع حياتنا للأمام ...
الناس أهلك لاتخادع إخوة** واخدم تفز قد فاز كل خدومِ*.. حسين أحمد إسماعيل
مـنــــــتــــدى أتــــريــــب

مـنــتدى يسعـى لجـعـل التـعـليـم متـعة, ويـهتـم بالثـقـافة ,والفـن, والتـاريـخ ,والمـستقـبل بمـدرسة أنـس بـن مـالـك الإعـدادية بأتـريـب - إدارة بنـها التعـليـمـية - القـليـوبـية

الناس أهلك لاتخادع إخوة ** واخدم تفز قد فاز كل خدوم
لاتستهن برأيك , فالفكرة الصغيرة قد تكون مؤثرة جدا فى الواقع , والفكرة الطيبة مثل البذرة * الصالحة , تحمل بداخلها معجزة , وهى شجرة مثمرة مفيدة
شاركنا برأيك , وساعدنا لتطوير العملية التعليمية, فالتعليم هو المستقبل ,والمدرسة هى قلب وعقل وروح المجتمع *

    ذكرى ميلاد

    شاطر
    avatar
    hussein
    Admin

    عدد المساهمات : 461
    تاريخ التسجيل : 12/11/2010
    الموقع : منتدى أتريب

    ذكرى ميلاد

    مُساهمة من طرف hussein في الأحد فبراير 06, 2011 2:32 am



    ذكرى ميلاد
    قصة للدكتور : سعيد شوقى

    flower flower flower flower flower flower




    أمسك بالقلم فارتعشت يده ، حاول الكتابة لم يستطع ، سقط القلم ، استعاده وكرر المحاولة ، ألقى بالقلم في وجه الورق ، تذكر ما قاله الآخرون : - إنه عاجز ، وسيفشل حتما ، فنظر إليه ، ومد ما تبقى من يديه ، والتقطه .

    حاول الكتابة مرة أخرى ، فعاد السقوط تلو الارتعاش ، حاول دون يأس ، ولكن كيف لإبهامه وسبابته أن يتحركا بسهولة ؟! وفرضا تحركا ، فكيف بيده اليسرى أن تكتب ، وليس لها سابق عهد بالكتابة ، ولو استطاعت أن تكتب ، فماذا سيملي عقله عليها ؟! إن عقله نفسه خال ، ولم يعرف الإملاء من قبل .

    خرج كعادته متكئا على عصاه ، فارا من الضجر ، الذي يعشش في بيته ، ويذكره بين الحين والآخر بالماضي ، الذي أغلق عليه إلى الأبد ، تسمع دبيب قدميه المتواتر ، المعروف للجميع ، فتشعر بعزم الإرادة ، وقوة التحدي ، وتكاد تنسى أنك تنظر إلى عاجز ، فاقد لذراعه ولساقه اليمنى ، وفاقد لكل شيء إلا إبهاما وسبابة في اليد اليسرى .

    شق طريقه عبر الأزقة ، يداعب كل من يقابله ، دعابة ليست على وتيرة واحدة ، لكنها تختلف باختلاف الموقف ، تشعر بخفة الروح ودماثتها ، انعطف إلى الطريق الرئيسي ، تسارعت خطاه ، فالطريق مرصوف ، ولا يمتلئ بما تمتلئ به الشوارع من حجارة وحصو وماء مرشوش ، يضايقه أنى سار ، مال بصره فتغير اتجاه جسده ، ودخل بين عيدان الذرة ، ينفذ منها نفاذ القط الوديع ، وبينما يتقدم لا تبدو على جبينه لمعة عرق ، برغم سيره في القيظ الشديد ، بل تراه بارق العينين ، باسم الثغر ، يعلو جبهته نور خاص ، يلمح بسهولة على جباه أصحاب العزائم القوية .

    كان يحلو له أن يخرج في هذا الوقت بالذات ، وقت القيلولة ، ذكرى ميلاده الجديد ، يجلس والماء ينساب تحته ، ورطوبة الجو تهدهده ، وأمامه يترامى اللون الأخضر ، بلا حدود ، وتتدلى أغصان الصفصاف وأوراقه ، كما تتدلى الستائر الحريرية على آرائك الملك ، يداعبها بين الحين والآخر ، قبس من لمس سحري .

    أسند ظهره إلى جذع الصفصاف ، وشرع يمس بعصاه الماء ، تكاثرت الدوائر ذوات المركز الثابت ، تأوه ، قطب الجبين ، حدقت العينان ، علا الحاجبان ، غشيته غمامة لم تظهر عليه منذ زمن بعيد ، انتابته رعشة ، ارتجف منها ، رجفة الخائف من أشياء مجهولة.

    نظر محملقا لذلك الوجه " الكاريكاتوري " ، تمثل الماضي الذي انطوى في غيابات العدم في نفسه ، لكنه يراه الآن على صفحة الماء .

    إنه نفسه ، قوي البنية ، خصب ، خصوبة وادي النيل ، صاحب عزة ومجد موروث من قديم الأزل ، مفتول العضل ، تجري الدماء في عروقه جري ماء النيل ، لكنه طيب إلى حد كبير ، ساذج ، من السهل أن يغرر به ، " لا يعرف راسه من رجليه , ومفيش فيه فايدة " ، كما يردد الشيخ عمران ، من الصعب عليه أن يتخذ قرارا ، دائما يقلد أصحابه وجيرانه ، ربما من هم على يمينه ، وربما من هم على يساره ، لا يعرف له شخصية محددة ، وهذا ما كان يضايق الشيخ عمران ، ودعاه لأن يقول له :

    - " بقى إنت عايز تذاكر وتنجح ، يا خي دا بعدك ، إنت تعرف الألف من كوز الدره " .

    لكنه يصر ، ويجمع الكتب ليذاكر ، وسرعان ما يمزقها .

    - " مش قلت لك إبقى تعالى قابلني لو نفعت " .
    *****


    تتلاشى الدوائر ذوات المركز الثابت ، وتهدأ صفحة الماء ، بعدما ينزع عصاه ويتمتم ، إنه يقرأ الفاتحة على شخصيته الماضية ، التي كان يتمنى زوالها من جعبة ذكرياته ، بعدما زالت تماما من الوجود ، يبتسم زافرا ، ويتذكر كيف ماتت تلك الشخصية البغيضة إلى نفسه.

    يتذكر أن وجهها اصفر وذبل ، عندما استدعاها خفير العمدة حسانين ؛ للكشف في النضارة ، ومن أجل ذلك ، ترددت مرات عديدة على الطبيب ، الذي لم يجد بها أي سوء ، سوى أنها موهومة بعض الشيء ، ويظهر أنها تعودت الراحة ، لكن صحتها تجر عربة " كارو " والحمد لله .

    دب المرض في أوصالها واستشرى ، عندما بدأت تلبس " الميري " ، وتعدو مسافات طويلة ، وتمارس التدريبات الشاقة ، والقفز من فوق الحواجز والأسوار واختراق الضاحية ، وتسلق الدشم ، والتعلق بالحبال ، ورآها تحتضر عندما همت بأن تضرب النار ، وعندما وصلت الرصاصة إلى فوهة البندقية ، مؤكدة تمام الضرب ، كانت روحها قد وصلت إلى الحلقوم ، وانتهى كل شيء ، ولكن قبل أن تموت ، صهرتها نار الجندية والرجولة ، التي بلا دخان ، شكلا جديدا تماما ، هو ، وجوده الحاضر ، الذي ولد فيه الآن ، طفلا صغيرا بين النار والبارود ، وفطم فيه من ضرب البندقية على ضرب المدفع ، ولما اشتد عوده ، أصبح زاده وزواده ضرب الصواريخ ، وكبر وأصبح شابا يافعا ، بلغ تمام النضج في قيلولة ذلك اليوم ، إنه يذكره تماما ، عندما دبت النشوة في جسده ، وشعر بأنه أصبح رجلا ، واشتاق لمحبوبته ، لكنها كانت على الجانب الآخر ، تناجيه ثم تصرخ فيه ، أن يقفز إليها ، ويعبر الماء والساتر الترابي ، ويخلصها ممن سلبوها في ذلك اليوم الحزين ، تمنى أن يقفز إليها ، ولكن لا بد من مشورة الكبير ؛ ليتم الزواج ، ولم يأت رد الكبير بعد : الزواج مسئولية لا يتحملها إلا الرجال ؛ حتى لا نندم على عواقبه ، وفهم مغزى التريث ، واكتفى على مضض بالنجوى .

    نظر متأملا ، والهدوء يحوطه ، واستطاع أن يرى بوضوح ، ما آلت إليه حاله الآن ، لقد تلاشى ماضيه البائس تماما ، وطمست معالم شخصيته الكريهة ، وصهر في قالب آخر صهر الحديد بالنار ، ومن خلال الصهر أمكنه استخلاص شوائبه ، وأصبح في قالبه الجديد - كما يتراءى أيضا من خلال وجهه على صفحة الماء الهادئ - جامد القسمات ، حاضر البديهة ، يعرف حقوقه ووجباته ، تعلوه هيبة تستشري في قلب ناظرها دون رؤيتها ، وتأصلت نفسه تأصل تاريخه ، والتمس لماضيه البائس العذر ، وأيقن أن زواله كان حتميا ؛ ليظهر معدنه الأصيل ، وعندما شعر بكينونته ، وأصالته ، وكيانه ، طالت عنقه ، واستوى قده ، ورفع الهامة ، ناظرا إلى السماء ، بينما كانت البلابل تغرد فوق الأغصان .

    أراد فعل شيء يحطم به حاجز الشفقة المفروض عليه ، يجعله جديرا أمام نفسه ، التي آلت إليه بعد طول اغتراب ، ولكن ماذا يفعل ؟ إنه لا يملك إلا الإرادة والعزيمة .

    قرر المذاكرة ، مستأنفا حربه القديمة ، التي هزم فيها من أول طلقة ، وشمّت فيه الجميع ، وأضحك عليه الشيخ عمران ، ولكن هل يحاول ليفشل مرة أخرى ، ويعيد الكرّة ، إنه لو خسر هذه المرة فسيتحول إلى صحراء كبرى ، عديمة الماء ، خاصة في وجهه .. أيقن بجسارة المحاولة ، ولكن ما أهون كل المحاولات إذا ما أسبل الجفنين ورأى نفسه ، يقتحم المواقع ويلقي بالقنابل ، زاحفا كالثعبان ، مارقا كالسهم ، لا يخاف الليل بل يخيفه ، برغم الحصون والعتاد والأكاذيب المروجة ، والموت الملوح له في كل مكان ، واستيقن أيضا أنه ، لولا التدريب الشاق والروح العالية والإخلاص والتفاني والحيطة الكاملة ، لكل صغيرة وكبيرة ، وكتمان الحدث ؛ لما عزف " سيمفونية " العبور ليلتقي بمحبوبته ، ضاربا بالمجداف ، مستعجلا لحظة الوصول .

    أمسك بالقلم كما أمسك بكاشف الألغام من قبل ، وسار على السطر يخط ، وعلم أن خطأه سيؤدي إلى دماره ونسفه ، تقدم بثقة يتخطى الصعاب ، صعاب طريق العلم ، جديد العهد بها ، مستعينا على حاجته بالكتمان التام ، اعتبر الصعاب ألغاما ، لا بد من إزالتها ، وزوالها لا يتأتى في لحظات ، بل سهر الليالي منكبا على كتابه ، كما سهر من قبل حارسا لسلاحه ، وأتقن مسك القلم كما أتقن مسك السلاح ، وأصاب به الصواب مثلما أصاب من قبل قلب الهدف ، وأخذ يقفز من مادة إلى مادة ، كما كان يقفز من " دشمة إلى دشمة " ، عارفا بأصول القفز لا يزيغ ، لم يستعجل إصابة الهدف ، بل تريث كما علمه قائده ، كرر كل ما فعله ، بنفس الروح والحماس ، وعندما تيقن من نضوجه ، وعلم حقيقته تمام العلم ، دون تزييف ، تحين فرصة الانقضاض ، وانقض بلا هوادة داخلا الامتحان .
    *****


    وعلى قسمات وجوه الناس المستغربة ، التي تضرب كفا بكف ، من هول المفاجأة ، وتتساءل في ذهول :

    - كيف يحصل على هذه الشهادة الكبيرة ، في هذا الزمن القياسي ؟! إنه فلاح عاجز ! أبتر ! لا يقرأ ! ولا يكتب ! أعرج ! ساذج ! لا يملك إلا سبابة وإبهاما !

    وقف ينظر هادئا ، والعكاز تحت إبطه ، والقلم في جيبه ، يحملق في السماء ، يتذكر تلك الروح التي دبت في أوصاله ، في تلك القيلولة القائظة ، ثم أغمض عينيه ، وانتابته قشعريرة روعة الإحساس ، لحظة أن رفع العلم ، وأمسك القلم . 10/ 1983



    flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower flower




    - دكتور / سعيد شوقى ,أستاذ الأدب العربى بكلية الآداب , جامعة المنوفية .

    - ناقد مدقق , وقاص يكتب الأقصوصة

    - المكثفة التى تستخدم المفارقة والتضاد لإبراز فكرته .

    - من مواليد كفر الجزار – بنها – ويعيش بمنطقة الفلل

    - له تحت الطبع مجموعة قصصية .

    - شارك فى كثير من المؤتمرات العربية .

    - يعمل حاليا بجامعة القصيم بالسعودية .

    له الكتب النقدية التالية :

    - توظيف التراث فى روايات نجيب محفوظ.

    - بناء المفارقة فى المسرح الشعرى .

    - البطل المجرم فى العامية .

    - الأميرة تنتظر , والعاصفة " دراسة مقارنة "

    - مقاربات نقدية فى الشعر والسرد .

    - التجريب الأدبى بناء علامة الحيوان فى شعر أمل دنقل .

    - إيقاع المعنى



    study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study study

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة مايو 25, 2018 3:32 am